• ×

01:31 صباحًا , الثلاثاء 7 يوليو 2020

طيف الوسواس القهري د.أ.د وائل أبو هندي

طيف الوسواس القهري: المفهوم؟
المفهوم الحالي لطيف الوسواس القهري مفهومٌ ما يزالُ في مرحلة التطور والتغير بشكل يجعلُ المرْءَ غير قادرٍ على التعميم اللازم لنحت المصطلحات، فبعدما اعتبرت الجمعية الأمريكية للطب النفسي اضطراب الوسواس القهري واحدًا من اضطرابات القلقِ لمدة طويلة انتبه الباحثون بعد ما يزيد على عقد من الزمان أنه اعتبارٌ بعيدٌ عن الصواب، لأن اعتبار وجود القلق بوضوح في معظم مرضى الوسواس القهري سببًا كافيا لضمه إلى اضطرابات القلق كان مدعاة للتساؤل لماذا لا نضعُ النسبةَ الأكبرَ من مرضى اضطرابات الاعتماد على العقاقير مثلاً أو مرضى اضطراب الاكتئاب الجسيم أيضًا مع اضطرابات القلق.

إلا أن ما فعلهُ الأمريكيون كانَ له فضلٌ من ناحيةٍ أخرى على بلورة الفهم المعاصر لاضطراب الوسواس القهري، لأن عديدا من الدراسات أجريت لبيان اختلافه عن اضطرابات القلق، وتزامنتْ معها ملاحظاتٌ ودراساتٌ للأطباء النفسيين تشيرُ إلى وجود علاقةٍ جوهريةٍ ما بينَ اضطراب الوسواس القهري وما بينَ اضطراباتٍ كثيرةٍ أخرى غير اضطرابات القلق تتميزُ بوجود أفكار تسلطيةٍ وأفعالٍ تشبهُ أو تتطابق مع الأفعال القهرية، وخرجَ إلى الوعي العلمي مفهومٌ جديدٌ هوَ مفهوم اضطرابات طيف الوسواس القهري، فهم في ذلك التوجه يجمعونَ الاضطرابات النفسية التي تحدثُ ضمنَ أعراضها أفكارٌ تسلطيةٌ أو أفعالٌ قهريةٌ ويعترفونَ باعتمادهم الطريقةَ الوصفيةَ في التصنيف بمعنى أنهم يصنفونَ لا بناءً على سبب الاضطراب أو المرض كما هوَ الحالُ في معظم إن لم يكن كل فروع الطب التي يوجدُ فيها إجماعٌ علميٌّ على أسباب الأمراض، ولأن مثل هذا الإجماعِ غائبٌ في حالة الاضطرابات النفسية أي التي تتعلقُ بالسلوك البشري، فقد رأى الأمريكيونَ أن يصنفوا الأمراضَ بناءً على ما يمكنُ أن يتوفر من الإجماع بشأنه ما يكفي لاعتباره اضطرابًا مستقلاً بغض النظر عن نوعية الأسباب التي تؤدي إليه، وهم يعتبرونَ ذلك بدايةً للبحث العلمي المنتظم والمتواصل عن الأسباب من خلال الدراسات العلمية (المحايدة)، ويرونَ أنهم بمتابعتهم للمرضى من نفس التشخيص وملاحظة كيفية ونوعية استجاباتهم لطرق العلاج المقننة المختلفة سيصلونَ إلى تصنيف نهائي يريدونَ تعميمهُ على بني البشر كلهم.

والحقيقةُ التي لا ينكرها أحد هيَ أن هذه الطريقةَ التي اعتمدت في تصنيف الاضطرابات النفسية هيَ نفسها الطريقةُ التي كانت تصنفُ بها كل الأمراض التي تصيبُ بني آدمَ قبل اكتشاف الكائنات الدقيقة التي تسبب الأمراض وقبل تطور طرق البحث العلمي التي تسمحُ بمعرفة الأسباب، أي أنها هيَ نفسُ الطريقة التي كانَ ابن سينا والرازي وابنُ الهيثم وأبو زيد البلخي يصنفونَ بها الأمراض، فهم يصفونَ ما يجدونه من أعراض في مرضاهم ويسمون كل مجموعة متلازمةٍ من الأعراض تظهرُ بشكل متكرر باسم ما يقترحهُ أحدهم ويتفق الباقونَ معه عليه.

وربما يكونُ هذا التوجهُ الحديثُ لاعتبار الوسواس القهريِ واحدًا من مجموعة الاضطرابات النفسية الجديدةِ إلى حد ما (أو التي بدأنا نفهمها ونجمعها ونصنفها حديثا) والتي تسمى باضطرابات طيف الوسواس القهري توجهًا أفضلَ بكثيرٍ من اعتباره واحدًا من اضطرابات القلق، وهذه المجموعة من الاضطراباتُ في الحقيقة هيَ اضطراباتٌ تتعلقُ بمتصل شعوري معرفي آخرَ هو متصل الاندفاعية "أو التسيب" في مقابل القهرية "أو التحكم" أي أنها تتعلقُ بقدرة الشخص على التحكم في رغباته واندفاعاته، ويوضعُ مريضُ الوسواس القهري بالطبع على أقصى طرف القهرية أو التحكم بينما تتوزعُ بقيةُ الاضطرابات على هذا المتصل إلى أن نصل إلى اضطرابات العادات والنزوات في أقصى الطرف الآخر للمتصل أي طرف الاندفاعية أو التسيب.

والذي يتأملُ مريض الوسواس القهري من قربٍ بعد أن يلمَّ بمعطيات البحث العلمي الجديدة، إنما يقفُ حائرًا عند نقطةٍ كثيرًا ما يعتبرونها الجوهرَ المميز لاضطراب الوسواس القهري وهيَ مقاومة المريض للفكرة التسلطية أو للفعل القهري وكانَ مفهوم بقاء البصيرة مركزيا بالطبع عند الجميع حتى وقتٍ قريب لكنه اهتزَّ الآن بعنف واهتزت معهُ فكرةُ أن المقاومة ضرورية للتشخيص وأصبحنا نراجعُ الكثير من حساباتنا في الطب النفسي، بينما يكتشفُ المتأملُ من قربٍ أن المشكلةَ أعمقُ من مجرد التحكم والمقاومة، إنما هيَ خللٌ في عملية التحكم نفسها، فمريضُ الوسواس القهري كثيرًا ما يتأرجحُ بينَ التحكم والتسيب وكثيرًا ما نراهُ عاجزًا عن ضبط هذا البعد من أبعاد نفسيته، ومن يتأملُ التاريخ المرضيَّ للعديد من الحالات التي ورد ذكرها في هذا الكتاب يعرفُ معنى هذا الكلام فتلك السيدةُ التي كانَ كل ركن في بيتها يلمعُ كما تلمع المرآة وحياتها كلها كانت تنظيفًا في تنظيف، يمكنُ أن تَتخذَ قرارًا مفاجئًا بالكف عن تنظيف بيتها بل وعدم السماح للآخرين بتنظيفه لأنها ببساطة أصبحت تشعرُ بالقرف من هذا البيت أو من نفسها أو لأنها وقعت فريسةً للتخزين القهري لأكياس القمامة! بل وأكثر من ذلك أننا لو تأملنا طريقةَ الانتحار الذي نادرًا ما يفعلهُ مريضُ الوسواس القهري لوجدناهُ دائمًا من أكثر أشكال الانتحار اندفاعيةً!

ولعل هذا ما يدفعني إلى القول بأن مريض الوسواس القهري لديه مشكلةٌ في عملية التحكم نفسها، وليس الأمر كما يبدو لأول وهلةٍ تحكمًا زائدًا فقط أو رغبةً في التحكم الزائد فقط، فهناكَ إحساسٌ أساسي داخلي بفقد الأمان هو ما يجعلُ من تمسكه المفرط بالقواعد محاولةً لمواجهة ذلك الشعور الدفين بعدم الأمان الأساسي، ومن المفيد أيضًا هنا أن نتأمل الطريقةَ الفريدةَ التي يتعاملُ بها مريض الوسواس القهري مع الأعراف الاجتماعية فهيَ ليسَت دائمًا الالتزام الصلب بالتقاليد والعرف بل إنها كثيرًا ما تكونُ عكسَ ذلك، فهل لذلك من معنى؟

إن مريض اضطراب الوسواس القهري الذي يفرطُ في تنظيف جسده عادةً ما لا يمتلكُ العاداتِ المفضيةَ إلى الصحة الجسدية، كما أن مريضَ الوسواس القهري الذي يصرُّ على الانضباط والنظام في حياته غالبًا ما لا يفعلُ ذلك بغاية تحسين أدائه في حياته وإنما يفعلهُ لأن الانضباط والنظام غايتان في حد ذاتهما! كما أن متابعةَ حياة مريض اضطراب الوسواس القهري من الطفولة حتى الكهولة كثيرًا ما تُظْهِرُ تباينًا كبيرًا في تحكمه مقابل تسيبه فهوَ متسيبٌ مثلاً جداً في طفولته ومتحكمٌ جدا في كهولته أو العكس، وكانتْ هذه ملاحظةً شخصيةً لي حتى اكتشفتُ من الدراسات ما يؤيدُ وجهةَ نظري تلك، خاصةً في حالات اضطراب الوسواس القهري المصحوبة أو المصاحبة لاضطراب العرات حيثُ اتضحَ وجودُ اندفاعيةٍ عاليةٍ بالفعل في هؤلاء المرضى.

ثمَّ أن موقفَ مريض الوسواس القهري في مواجهة المواقف الحياتية التي تتسم بالجدة عليه إنما يبينُ تأرجحَ موقفه ما بينَ الاستسلام التام وما بينَ الاعتراض العدواني أحيانًا بالشكل الذي يؤكدُ افتقاده للمرونة في مواجهة المواقف الحياتية وعدم معرفته كيف يتعاملُ معها، ونفس الكلام يمكنُ أن يستنتجَ من عدم إقبالهم أو ترحيبهم بالجديد عموما لأنهم لا يعرفونَ أو يخافونَ من التعامل معه، المهم أن ذلك كلهُ يجعلُ وضعَ اضطراب الوسواس القهري ضمنَ مجموعةٍ مستقلةٍ من الأمراض السلوكية والنفسية هيَ اضطراباتُ طيف الوسواس القهري، هوَ الوضع الأقربُ إلى الواقع، ونحنُ ما نزالُ في مرحلةِ الفهم فيما يتعلقُ بهذه المجموعة من الاضطرابات.

ومن الأمور الجديرة بالذكر هنا أن فكرةَ طيف الوسواس القهري ليست كما يعتقد أهل الطب النفسي حديثةً أو ابتداعًا غربيا، فقد فوجئتُ أثناءَ بحثيَ عن "أكل الطين" على الإنترنت لأجد ما يرشدني إلى التراث العربي الإسلامي في أحد اضطرابات الأكل وهو اضطرابُ العقعقة (أو أكل مواد غير مغذية أو أكل ما لا يؤكل عادةً) إذ تبينَ لي ما يشيرُ إلى أكثرَ من أن العرب والمسلمينَ انتبهوا لوجود الظاهرة، فهم لم ينتبهوا فقط وإنما ربطوها بالوسواس!

لقد وجدتُ على مواقع الشيعة المسلمين العديد من الآثار والأحاديث التي تتناولُ تحريم أكل الطين، بل وأكثر من ذلك كما يتبينُ من الحديث التالي، فقد جاءَ في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي ابن أبي طالب كرمَ الله وجهه ما يلي: قال صلى الله عليه وسلم: "يا علي، ثلاثة من الوسواس: أكل الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللحية"، ولهذا الحديثِ روايةٌ أخرى تعد أربعةً من الوسواس كما ورد في كتاب بحار الأنوار إضافةً إلى الرواية السابقة للحديث روايةٌ أخرى نصها "أربعة من الوسواس: أكل الطين وفت الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان وأكل اللحية".

وفي الإصدار الأخير للتصنيف الأمريكي التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية أصبح اسم القسم الجامع لاضطرابات الطيف الوسواسي هو الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة ويشمل هذا القسم :
1 -اضطراب الوسواس القهري
2- اضطراب تشوه شكل الجسم
3- اضطراب الاكتناز
4- هوس نزع الشعر
5- سحج الجلد اضطراب نزع الجلد -
6- الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة المحدث بمادة/دواء
7- الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة بسبب حالة طبية أخرى
8 الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة المحددة الأخرى
9. الوسواس القهري والاضطرابات ذات الصلة غير المحددة

أ.د وائل أبو هندي
أستاذ الطب النفسي جامعة الزقازيق
السكرتير المالي لاتحاد الأطباء النفسانيين العرب
رئيس شعبة اضطرابات القلق والطيف الوسواسي


 0  0  782  09-17-2017 07:27 مساءً